* “سيادة القاضي.. أنا مش واقفة هنا عشان أطلب فلوس ولا انتقام. أنا واقفة عشان أسترد كرامة اتدبحت على أيد بني آدم كنت فاكراه سندي وسكن لي. حسام اتهمني في شرفي، حاول يحرمني من أمومتي للأبد، واستغل طفل ملهوش أي ذنب في الدنيا ورقة ضغط عشان يبتزني وأتنازل عن حقوقي. الأب اللي يستخصر في ابنه شهادة ميلاد وطعم يحميه من المرض عشان يقهر أمه، ما يستاهلش يحمل اسم أب، ولا يستاهل يكون له كلمة على مستقبل الطفل ده.”
ساد صمت مطلق في القاعة، لم يقطعه سوى أنفاس الحاضرين المتلاحقة. انهمكت هيئة المحكمة في المداولة لعدة دقائق كانت كأنها سنوات على حسام، الذي كان يعرق بغزارة وشحوب المــ,,ـــــوت يعلو وجهه. طرق القاضي بمطرقته الخشبية طرقتين متتاليتين، ونطق بحكمه التاريخي الذي أثلج القلوب: * “حكمت المحكمة حضورياً وبشكل قاطع:” * أولاً: تطليق المدعية “مريم” من المدعى عليه “حسام” طلقة بائنة للضرر الأشد، مع إلزام المدعى عليه بتمكينها من كافة حقوقها الشرعية والمالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.
* ثانياً: إسقاط جميع صور الولاية (التعليمية، المالية، والإدارية) عن الأب حسام، ونقلها نهائياً وأبدياً إلى الأم مريم. * ثالثاً: إلزام مصلحة الأحوال المدنية باستخراج شهادة ميلاد رسمية فورية للطفل “ياسين” ببياناته الكامله وثبوت نسبه، بناءً على طلب الأم منفردة. * رابعاً: إلزام المدعى عليه بدفع نفقة شهرية شاملة للطفل تقدر بـ 30% من إجمالي دخله وثروته المثبتة تقديراً مناسباً لكرامة الطفل ورعايته. * خامساً: إحالة أوراق المدعى عليه حسام إلى النيابة العامة لمباشرة محاكمته الجنائية في تهم البلاغ الكاذب، والتشهير، والشروع في التزوير في محررات رسمية بالتواطؤ مع طبيبة المستشفى الاستثماري.
انطلقت زغاريد فرحة مكتومة من أمهات وأقارب مريم المتاخمين خلفها في القاعة، بينما سقطت نجوى أخت حسام على الكرسي مذهولة، وانكمش حسام في مكانه كالصنم، بعد أن رأى أملاكه وهيبته وسلطته تنهار تحت أقدام العدالة. اقترب رجال الشرطة فوراً من حسام لاصطحابه إلى قسم الشرطة تنفيذاً لأمر النيابة العامة لمباشرة التحقيق الجنائي في القضايا المقامة ضده. وعندما مر من أمام مريم وهو مكبل بالقيود، نظر إليها بكسرة وهوان لم تعهدهما فيه من قبل. لم تتشامَت مريم، بل نظرت إليه بإشفاق واحتقار قائلين:
* “كنت فاكر إنك راجل البيت وكلمتك هي اللي تمشي.. اديك شفت كلمتك ودتك فين. الفلوس اللي بعت شرفك عشانها مش هتنفعك في السجــ,,ـــــن يا حسام.” خرجت مريم من باب المحكمة، حيث كانت شمس الظهيرة الساطعة تتلألأ على الميدان الخارجي. كان محمود يحمل طفلها ياسين وهو يضحك ويداعبه، ثم سلّمه إليها. أمسكت مريم بطفلها الرضيع، وضمت صدـ,,ـــرها إليه بكل ما أوتيت من حب وحنان. تنفست الهواء النقياً بعمق، وشعرت بأن الرئة التي خنقها الخوف والغدر لشهور قد عادت لترتوي بالحرية والأمان.
نظر محمود إليها بابتسامة فخر وقال: * “خلاص يا مريم.. الكابوس انتهى، وياسين بقى في حــ,,ـــــضنك وباسمك وكرامتك مرفوعة فوق الكل.” ابتسمت مريم ودموع الفرح تترقرق في عينيها، ونظرت إلى وجه ياسين الملائكي وقالت بنبرة ملؤها القوة والأمل: * “الكابوس انتهى يا محمود.. وبدأت حياتي الحقيقية. ابننا هيتربى في بيت مليان أمان وعزة نفس، وهيطلع راجل بحق وحقيق.. يعطف على الضعيف، ويعرف إن كرامة المرأة وأمومتها خط أحمر مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسره.” سارت مريم في طريقها بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس، تاركة خلفها أطماع الماضي وآلامه، لتبدأ مع طفلها فصلاً جديداً كاملاً ينبض بالنور، والكرامة، والعدالة التي لا تضيع.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”