منوعات

الشهر التاسع روماني ج الاخير

الشهر التاسع روماني ج الاخير

* “مش هخسر حاجة! الوصية بتقول إني يلزمني ولد، والمهم إن الولد يبصم بإسمي عشان أستلم أسهم الشركات والعقارات قبل ما أتم التلاتين.. مريم فاكرة إنها كسبت، بس هي نسيت إن الولد شرعاً وقانوناً لسه ابني! وطالما هو ابني، أنا ليا حق الحضانة والرؤية والولاية التعليمية والمالية عليه.. هحرمها منه، وألوي دراعها بيه لحد ما تيجي تبوس إيدي وتتنازل عن كل قضاياها وتسلمني الولد ورجليها فوق رقبتها!”

مر أسبوعان ثقيلان، استردت فيهما مريم بعضاً من عافيتها الجسدية، وجاءت النتيجة الرسمية للطب الشرعي لت.ع أي شك من جذوره: “أثبتت تحاليل البصمة الوراثية (DNA) بنسبة 99.99% أن الطفل ياسين هو ابن شرعي وجيني للمشكو في حقه حسام، وتتطابق عيناته مع العينات المأخوذة منه.” بناءً على ذلك، أصدـ,,ـــرت النيابة العامة قراراً بحفظ بلاغ حسام ضد مريم، مع تحويل أوراق القضية إلى نيابة الشؤون المالية والأحوال الشخصية لمباشرة التحقيق مع حسام بتهمة البلاغ الكاذب، والتشهير بربة منزل، ومحاولة التزوير في محرر رسمي بالاشتراك مع الطبيبة المتواطئة في المستشفى الاستثماري، التي تم استدعاؤها هي الأخرى للتحقيق وأُوقفت عن العمل مؤقتاً.

كان يوم القرار بمثابة العيد في بيت عائلة مريم. لكن فرحتهم لم تدم طويلاً، إذ استيقظوا في اليوم التالي على إعلان قضائي يُدق على بابهم.
فتح محمود الباب ليجد محضر المحكمة يسلمه إخطاراً رسمياً: حسام أقام دعوى قضائية عاجلة يطالب فيها بتمكينه من “الرؤية الأسبوعية” للطفل، بالإضافة إلى رفع دعوى إسقاط حضانة عن مريم بدعوى أنها “غير أمينة على تربية الطفل” بعد أن شهرت به في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، محاولاً استغلال الفوضى التي أحدثتها محاولاتها الأولى للاستغاثة بالمستشفى!

ولم يكتفِ حسام بذلك؛ بل استغل حقه كأب صاحب “الولاية التعليمية والمالية والورقية”، ورفض صدور شهادة ميلاد رسمية للمولود، ورفض توقيع أوراق تطعيماته الإجبارية في المكاتب الصحية، ليضع مريم في مأزق إداري خطير يمنعها من تسجيل طفلها أو استخراج أي أوراق ثبوتية له! وقفت مريم في الصالة تمسك بالإعلان القضائي، والدماء تغلي في عروقها. كانت ترى في تصرفاته خسة لا تنتهي؛ فهو مستعد للتقاعس عن تطعيم ابنه وحرمانه من شهادة الميلاد لمجرد الابتزاز! قال المحامي الأستاذ “رفعت”، الذي تولى قضية مريم، وهو يتصفح الإوراق:

* “حسام بيلعب لعبة الوقت يا مريم.. هو عارف إنك مش هتقدر تطعمي الولد أو تسجليه من غير شهادة ميلاد، وبيستخدم ورقة الرؤية والولاية عشان يجبرنا نقعد معاه على طاولة المفاوضات. هو عايزك تتنازلي عن محضر البلاغ الكاذب وعن حقك في الشقة والمؤخر، مقابل إنه يستخرج شهادة ميلاد الولد ويسيبلك الحضانة هادية.” نظرت مريم إلى طفلها الرضيع الذي كان يصرخ في سر,,ـــــيره الصغير، ثم التفتت إلى المحامي وعيناها تقدحان شراراً:

* “على جثتي! لو فاكر إنه بيحارب ست ضعيفة، فهو لسه معرفش مين هي مريم! إذا كان هو بيستخدم القانون عشان يلوي دراعي بابني، أنا هستخدم نفس القانون عشان أكسر دراعه اللي بيمتد عليا وعلى ابني!” قالت للمحامي بصوت قاطع لم يعتده محمود منها من قبل: * “يا أستاذ رفعت.. ارفع فوراً قضية طلاق للضرر لعدم الأمانة والخيانه والتشهير، واطلب إظهار وصية والده المتوفى للنيابة لتوضيح الدافع الإجرامي وراء تصرفاته، وارفع أمر على عرائض لرئيس محكمة الأسرة لإستخراج شهادة ميلاد استثنائية للطفل بواسطة الأم ونقل الولاية التعليمية والمالية ليا أنا!”

ابتسم المحامي بإعجاب شديد بقوتها وذكائها: * “ده الكلام المضبوط! لو ثبت للمحكمة إن الأب بيمتنع عن استخراج شهادة ميلاد طفله لمكايدة الأم وإلحاق الضرر بالصغير، القاضي ينزع منه الولاية فوراً، وده هيضــ,,ـــــربه في قاتل!” في جلسة المحكمة الأولى الخاصة بالولايات القضائية وإثبات الضرر، كان المشهد مشحوناً بالتوتر. حضر حسام برفقة فريق جديد من المحامين، يسعون جاهدين لإظهار مريم بمظهر الزوجة الناشز التي تفتعل المشاكل وتمنع الأب من رؤية ابنه. وقف حسام أمام القاضي بكل تبجح، متظاهراً بالحزن والمسكنة:

* “يا سيادة القاضي.. أنا أب محروم من ابنه البكر، وهي خدت الولد وطفشت بيه عند أهلها ومنعاني أشوفه أو أطمّن عليه، وكل الاتهامات اللي وجهتها ليا دي مجرد افتراءات عشان تبتزني مالياً وتطلب مبالغ خيالية في نفقتها!” وقف الأستاذ رفعت محامي مريم، ووضع على منصة القاضي حزمة من المستندات الثقيلة، وقال بصوت جهوري هز القاعة:

* “عدالة المحكمة! بين أيديكم تقرير الطب الشرعي النهائي الذي أثبت نسب الصغير للمدعى عليه، ومحضر النيابة العامة الذي يحاكم فيه المدعى عليه بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير بعرض موكلتي! والأن، يقف أمامكم يدعي الحرمان وهو الممتنع عمداً عن توقيع أوراق استخراج شهادة ميلاد ابنه وتطعيماته الصحية المقررة قانوناً لمكايدة أمه! وإليكم الدليل القاطع على الدافع الشرور وراء كل هذه الألعاب!” قدم المحامي صورة طبق الأصل من وصية والد حسام، بالإضافة إلى استدعاء رسمي للدكتور فاروق للشهادة.

تابع المحامي بصرامة: * “المدعى عليه لم يكن يرفض الإنجاب أو يشك في النسب لعِلّة أخلاقية، بل كان يسعى لتحقيق شرط الوصية بالاستيلاء على ثروة والده وملايين العائلة، ثم محاولة عقم موكلتي قسراً في المستشفى حتى لا تنجب أطفالاً يزاحمون طفله الأول في التركة، ولما فشلت خطته، رمى عرضها بالباطل للتنصل من التزاماته المالية وتجريدها من حقوقها!” انقضت الجلسة وسط صدمة حسام ومحاميه، حيث لم يكونوا يتوقعون أن تمتلك مريم نسخة من الوصية أو أن يجرؤ محاميها على كشف خبايا العائلة المالية أمام القضاء.

تأجلت الجلسة للحكم في شق الولاية واستخراج شهادة الميلاد. وعند خروجهم من القاعة، تقابلت مريم وحسام في الممر المزدحم. تقدم حسام نحوها، وجهه شاحب والشرر يتطاير من عينيه، متحدثاً بنبرة خافضة حاقدة: * “فاكرة إنك كده كسبتِ يا مريم؟ الوصية دي هتخليني أربح ملايين الشهور الجاية.. والفلوس دي هشتري بيها كل حاجة وكل واحد، وهخليكي تلفي حولين نفسك في المحاكم عشر سنين عشان تاخدي قرش نفقة واحد! والولد ده.. هبقى أوريكي هعمل فيه إيه لما يكبر!”

توقفت مريم، ونظرت إليه من الأعلى إلى الأسفل، ثم اقتربت منه حتى أصبحت على بعد سنتيمترات قليلة، وقالت بصوت ثاقب كالسيف، لم يرتجف منه حرف واحد: * “أنت فاكر الفلوس بتعمل رجال يا حسام؟ الفلوس عملت منك مجرد حرامي في نظر القانون، ونذل في نظر الناس، وولا حاجة في نظر ابنك! القضايا اللي أنت فاكرها لعبة هتكون المشنقة اللي تلتف حولين رقبتك.. والجلسة الجاية مش بس هاخد شهادة ميلاد ياسين ورجلي فوق رقبتك، ده أنا هجردك من كل حق لك عليه، وهخليك تدفع تمن كل نقطة دم نزلت مني ومن شرفي في النيابة!”

استدارت مريم ومشت بخطوات ثابته ومرفوعة الهامة، بينما وقف حسام مكانه، يشعر لأول مرة بأن الأرض تحت قدميه بدأت تهتز بالفعل، وأن المرأة التي ظنها حلقة ضعيفة وسهلة الكسر، أصبحت البركان الذي يهدد بدفــ,,ـــــن ثروته ومستقبله تحت رماد أطماعه. جاء صباح يوم الحكم حاسماً وساخناً، وكأن سماء القاهرة تتأهب لإنهاء فصل طال ظلامه. كانت قاعة محكمة الأسرة مكتظة بالحضور، حيث تسربت أخبار تلك القضية الغريبة إلى أروقة المحاكم، وصارت حديث المحامين والإعلاميين المهتمين بقضايا المرأة والأسرة.

جلس حسام في الصف الأول بجانب أخته نجوى ورجاله، يحاول تصنع الثقة والبرود، لكن حركاته المــ,,ـــــوتره وعينيه الزائغتين كانت تعكس الرعب الساكن في أعماق نفسه. أما مريم، فكانت تجلس بثبات وكبرياء بجانب شقيقها محمود والمحامي الأستاذ رفعت، تحمل بين يديها ملفاً أبيض يحتوي على أوراق طفلها ياسين، وعيناها مثبتتان على منصة القضاء. نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري هز أرجاء القاعة: “محكمة!” وقف الجميع في إجلال، وصعد القاضي إلى منصته، وعن يمينه وشماله المستشاران. ألقى القاضي نظرة تفحصية حادة على الحاضرين، ثم فتح الملف الثقيل المنسوب للقضية، وأمر بسرد الوقائع والاستماع للطلبات الأخيرة.

قام محامي حسام الجديد محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بأسلوب يتوسل المارضة والالتفاف: * “سيدي القاضي.. موكلي يتراجع عن أي اتهام سابق صُدر منه في لحظة غضب وضغط نفسي، ويؤكد اعترافه الكامل بنسب الصغير ياسين، ويتعهد بتقديم كل الرعاية المالية له، مع المطالبة بحقه الشرعي والقانوني في الولاية التعليمية والرؤية، ورفض دعوى الطلاق للضرر المقدمة من الزوجة لعدم كفاية الأدلة.” هنا، وقف الأستاذ رفعت محامي مريم، ونظر إلى القاضي بنبرة حاسمة واثقة:

* “عدالة المحكمة! إن من يطلب العفو والولاية اليوم هو نفسه من اتهَم شرف زوجته بالباطل منذ أسابيع، وهو من حاول الاعتــ,,ـــــدا على جسدها وإصابتها بعاهة مستديمة عبر الربط القسري في المستشفى الاستثماري، وهو المعتدي المباشر على حق طفله في الصحة والحياة بامتناعه العمدي عن استخراج شهادة ميلاده وتطعيماته الإجبارية! نطلب من عدالتكم تطبيق أقصى عقوبة قانونية، ونزع الولاية التعليمية والمالية والورقية منه فوراً، والحكم بالطلاق النهائي للضرر الأشد، مع منحه أقصى التزامات النفقة والمؤخر!”

في هذه اللحظة، رفعت مريم يدها واستأذنت القاضي في الحديث. نظر إليها القاضي بتفهم وأومأ لها بالقبول. قامت مريم بخطوات واثقة، ووقفت أمام منصة القضاء، ونظرت نحو حسام نظرة خاطفة قبل أن توجّه حديثها للقاضي بصوت هز وجدان كل من بالقاعة:

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى