انا متجوزه من سنة وحامل فى الشهر التاسع اتفاجئت بجوزي بيقولي وانتى بتولدي اطلبي من الدكتور يعملك يعملك عملية ربط فسالته ليه انا لسه صغير وهخلف تانى قالى وانا مش هخلف تانى وانا حر قولتله حاضر نعمل وسيله او اخد حبوب اما ربط لا طبعا قالى انا راجل البيت وكلمتى تمشى قولتله تمشى على اى حاجه الا احشائى
كان الصمت في الصالة أثقل من أن يُحتمل. صوت قطرات المطر التي تصطدم بزجاج النافذة كان الإيقاع الوحيد الذي يقطع ذلك السكون المشحون. جلست مريم على طرف الأريكة، تضع يدها ببطء على بطنها المنتفخة، تشعر بحركات طفلها الأول وهي تبحث عن أمل أو نظرة حنان في عيني زوجها.
كانت قد تزوجت من “حسام” منذ عام واحد فقط. عامٌ مرّ بأحداثه وسرعته، وكانت تظن أن قدوم مولودهما البكر سيكون بداية الفصل الأكثر دفئاً وسعادة في حياتهما. كانت تسير في الشهر التاسع، وتحسب الأيام والساعات حتى تحــ,,ـــــضن طفلها، لكن الجلسة الهادئة التي بدأت بتدريب على تحضير حقيبة المستشفى انحرفت فجأة نحو هاوية غير متوقعة. وضع حسام فنجان القهوة على الطاولة بجفاء، ونظر إليها بنظرة باردة لم تعتدها منه، وقال بنبرة حاسمة خالية من أي توتر:
* “صحيح يا مريم.. وأنتِ بتولدي، اطلبي من الدكتور يعملك عملية ربط.” توقفت مريم عن الحركة. ظنت للوهلة الأولى أنها لم تفهم أو أن تعب الحمل جعلها تتخيل الكلمات. رمشت بعينيها عدة مرات ثم ابتسمت بارتباك: * “ربط؟ ربط إيه يا حسام؟ أنت بتقول إيه؟” ردّ دون أن يطرف له جفن: * “ربط أنابيب.. عشان متخلَفيش تاني.” نزلت الكلمات على قلبها كالصاعقة. شعرت برغبة في الصراخ أو الضحك من هول المفاجأة، لكنها تمالكت نفسها وقالت بنبرة مرتجفة يحركها الذهول:
* “بس أنا لسه صغيرة يا حسام! ده أول طفل لينا، وأنا من حقي يكون عندي أطفال تانيين.. ليه نعمل حاجة دائمة زي دي؟” اعتدل حسام في جلسته، ومال بجسده نحوها، وعيناه تتألقان بإصرار غريب وبارد: * “وأنا مش هخلف تاني.. وأنا حر، دي حياتي وده قراري.” تجمعت الدموع في عيني مريم، لكن شعوراً بالكرامة والرفض بدأ يشتعل في أعماقها. حاولت أن تبدو عقلانية، أن تجد حلاً وسطاً، فقالت بلهجة رجاء متماسك: * “حسام، بلاش نتسرع.. حاضر، نعمل وسيلة منع حمل، أخد حبوب، نركب لولب.. أي حاجة ممكن نغيرها بعدين، أما ربط لا طبعاً! ده قرار ملهوش رجعة!”
وقَف حسام فجأة، يلقي بظله الطويل عليها، وازدادت ملامحه قسوة وصرامة، وقال بنبرة لا تقبل النقاش: * “أنا راجل البيت.. وكلمتي هي اللي تمشي، واللي أقوله يتنفذ من غير كثرة كلام.” في تلك اللحظة، اختفت شوائب الخوف والضعف من قلب مريم. رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة، وقامت متكئة على ذراع الأريكة، وقالت بنبرة قاطعة هزت جدران الغرفة: * “تمشي على أي حاجة في حياتنا.. تمشي على بيتنا، على مصاريفنا، على أي قرار مشترك.. إلا أحشائي وجسمي يا حسام! دي حاجة ملكي أنا ومش من حق أي إنسان يقرر فيها عني.”
تركها حسام وانصرف إلى الغرفة المجاورة وأغلق الباب بقوة. مرت الليالي القليلة التالية كأنها كابوس ملغوم. كان الجفاء هو السيد، والحديث بينهما يقتصر على كلمة أو كلمتين عند الضرورة القصوى. مريم لم تكن تعلم أن خلف هذا الإصرار سرّاً غامضاً لا تفهمه؛ لماذا يصر رجل في بداية حياته الزوجية على أن يكتفي بطفل واحد وبهذه الطريقة القاسية؟ هل هناك شيء يخفيه؟ هل هناك حسابات أُخرى لا تعلم عنها شيئاً؟
في مساء اليوم التالي، شعرت مريم بآلام مخاض خفيفة بدأت تتزايد بالتدريج. كانت تعلم أن الساعات المقبلة هي ساعات الولادة. طرقت باب الغرفة وأخبرت حسام بالآلام، فقام بسرعة وحمل حقيبة المستشفى وأوصلها إلى السيارة. وصلت السيارة إلى المستشفى الاستثماري الكبير الذي كان حسام قد اختاره بنفسه وسدد تكاليفه بالكامل مسبقاً، وهو أمر كان قد أثار استغرابها وقتها، إذ أصر على طبيبة معينة وعلى جناح خاص في أقصى الممر.
تم إدخال مريم إلى غرفة التجهيز للولادة. كانت الآلام تشتد، والجهد الإرهاقي ينال منها، لكن عقلك كان مشتغلاً بالخوف مما يسعى إليه حسام. استغلت خروج الممرضة لثوانٍ، وقررت أن تخرج لتبحث عن الطبيبة وتؤكد عليها برفشها التام لأي إجراء طبي غير الولادة. خرجت مريم تتكئ على الجدار، تمشي بخطوات ثقيلة ومؤلمة في الممر الهادئ الخالي تقريباً من الحركة. وعندما اقتربت من مكتب الطبيبة المظلــ,,ـــــم قليلاً، سمعت صوت حركة بالداخل. #الكاتب_رومانى_مكرم_ كان الباب موارباً بضع سنتيمترات. أوشكت على الدفع والدخول، لكنها توقفت في مكانها كالمصنومة عندما سمعت صوت حسام المنخفض، الصارم والواثق، وهو يتحدث مع الطبيبة في العتمة:
* “يا دكتورة أنا دفعتلك كل اللي طلبتيه وزيادة.. زي ما اتفقنا، أول ما تفتح القيصري وتطلع الولد، تعملي الربط فوراً وتكتبي في التقرير إن كان في ضرورة طبية ملحة لإنقاذ حياتها، مش عايزها تعرف أي حاجة ولا تشك في حاجة أبداً..”
وقفت مريم خلف الباب الموارب، تتسع حدقتاها مع كل كلمة تفوه بها حسام. بدا الصوت الدافيء الذي ألفته لعام كامل كأنه غريب عنها، مجرد قناع سقط ليحله صوت غريب، بارد، ومحسوب بدقة شيطانية. شعرت ببرودة تسري في أطرافها تجمدت معها الدماء، واختفى ألم المخاض لثوانٍ معدودة تحت وطأة الصدمة. كانت يدها المستندة على الجدار ترتجف بشدة، بينما استمر صوت الطبيبة بالداخل، متوتراً ومتردداً:
* “بس يا أستاذ حسام.. دي أمانة طبية، والعملية دي بدون موافقة صريحة ومكتوبة من المريضة نفسها تمثل جريمة ممكن تخسرني مهنتي! غير إنها لسه صغيرة، والتزوير في التقرير الطبي مش بالسهولة دي لو هي شكت وفتحت تحقيق..” قاطعها حسام بنبرة حاسمة، وصوت حفيف أوراق نقود أو شيك يُسحب بصرامة:
* “محدش هيحقق ولا يشك.. مريم بتثق في كلام الدكاترة أعمى، ولما تقرأ إن كان فيه خطورة على حياتها وأن الرحم كان معرض للانفجار، هتبكي وتشكري إنك أنقذت حياتها. المبلغ اللي على الطاولة ده ضعف أجر العملية مرتين، والنص التاني هيوصلك أول ما أستلم التقرير المزيف بالحالة. أظن الاتفاق كان واضح من الأول، ومش حابب أسمع تردد دلوقتي.” ساد الصمت لثخانات من الثواني، صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاس مريم المتلاحقة وهي تحاول ألا يصدـ,,ـــر عنها أي صوت. ثم جاء صوت الطبيبة خافتاً، مسلوب الإرادة تحت بريق المال:
* “تمام.. ادخل أنت الاستراحة، وأنا هجهز غرفة العمليات.”
انسحبت مريم إلى الخلف بخطوات هادئة ومبتعدة بساقين تخوران كأنهم قُدا من زجاج. كانت دواخلها تغلي بمزيج حارق من الغضب، الخيانة، والرعب. لم يكن الأمر مجرد رغبة من حسام في عدم الإنجاب، بل كان مؤامرة دنيئة تُحاك ضد جسدها وحقها في الأمومة بدم بارد، وتواطؤ من أطباء باعوا ضمائرهم.
عادت إلى غرفة التجهيز قبل أن تلمحها الطبيبة أو الممرضات. جلست على طرف السر,,ـــــير الإستثماري الفاخر، تلهث والدموع تنهمر على خدها كالشلال، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع الغضب المفاجئ الذي يستنهض أقصى درجات حذر الإنسان دفاعاً عن حياته. تساءلت في سرها: “ليه؟ ليه بيعمل كل ده؟ إيه السر المظلــ,,ـــــم اللي يخليه يشتري صمت دكتورة ويزور تقرير عشان يقطع عقبي لل أبد؟”
تذكرت في تلك اللحظة السريعة شقيقته التي زارتهم منذ أسبوعين، والتلميحات الغريبة التي كانت تسقط منها حول ثروة العائلة وعقد القران القديم، وشروط والده المتوفى في الوصية التي لم تعرها مريم اهتماماً وقتها. هل للأمر علاقة بالمال؟ أم أن حسام يخفي مرضاً وراثياً؟ أم أن هناك امرأة أخرى في حياته يخطط لبدء حياة جديدة معها بعد أن يضمن عدم قدرة مريم على ربطه بأطفال آخرين؟ لم يكن هناك وقت للتحليل؛ صوت أقدام الممرضة والطبيبة كان يقترب من الباب. مسحت مريم دموعها بسرعة، واستجمعت كل ما تبقي لديها من قوة، وأغمضت عينيها متظاهرة بالألم الشديد نتيجة تقلصات الولادة.
فتحت الطبيبة الباب، وبجانبها الممرضة تحمل حقنة التخدير الموضعي أو المهدئ. أطلقت الطبيبة ابتسامة مزيفة تتصنع الرحمة والتفهم: * “إزيك يا مريم؟ معلش الألم شديد، بس خلاص، جهزنا غرفة العمليات وهندخل نعمل قيصرية فوراً عشان نطمن على البيبي وعليكي.” نظرت مريم في عيني الطبيبة مباشرة، بجمود أربك الأخيرة لثوانٍ، وقالت بصوت متهدج ولكن نبرته ثابته: * “دكتورة.. أنا عايزه أغير المستشفى. أنا مش مرتاحة هنا.” ارتبكت الطبيبة وتراجعت خطوة للوراء، بينما تقدمت الممرضة تحاول إمساك يد مريم:
* “تغيري المستشفى إزاي بس يا مدام؟ أنتِ في حالة مخاض، والولد رأس نزلت، أي حركة دلوقتي خطر عليكي وعلى الجنين!” تدخلت الطبيبة بسرعة محاولة تدارك المواقف: * “مريم يا حبيبتي، ده توتر الطبيعي بتاع قبل الولادة.. جوزك حسام محضر كل حاجة، والأوضة مجهزة بأحدث الأجهزة، متقلقيش خالص، أنا جنبك وهنهي كل حاجة في نص ساعة.” في تلك اللحظة، دخل حسام الغرفة بابتسامة متكلفة، لكن عينيه كانتا ترصدان التفاصيل بذكاء حاد. شعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي في الهواء. اقترب من السر,,ـــــير وضع يده على كتف مريم بحنان مزيف وقال:
* “اهدائي يا مريم.. كل حاجة تحت السيطرة، الدكتورة شاطرة جداً وأنا واقف بره مستني أسمع صوت ابننا.” نفضت مريم يده عن كتفها بقوة وجلست باعتدال رغم الألم الحاد الذي يعصر أحشاءها. نظرت إليه بنظرة نــ,,ـــــارية جعلت حسام يتراجع خطوة متفاجئاً. * “شيل إيدك عني يا حسام.. أنا مش هولد هنا، ومش هتدخل غرفة العمليات دي بالذات!” تغيرت ملامح حسام للقصوة، وغابت الابتسامة المزيفة لتظهر الشخصية المستبدة التي رأتها في الصالة منذ أيام: * “أنتِ اتجننتِ؟ يعني إيه مش هتولدي هنا؟ الحساب مدفوع، والدكتورة جهزت كل حاجة، أنتِ فاكرة الولادة لعبة؟ يلا يا دكتورة جهزوها بسرعة مفيش وقت للفرعة دي!”
أومأت الطبيبة للممرضة لتبدأ في تجهيز المحاليل، لكن مريم صرخت بأعلى صوتها، صوت هز أرجاء الممر الهادئ: * “أنا اتقال لي بره في الممر كل حاجة! سمعتك يا حسام وأنت بتتفق مع الدكتورة تبيعوا ضميركم وتعملوا لي ربط رغماً عني وتزوروا تقرير طبي! لو حد قرب مني دلوقتي هصرخ وألم المستشفى كلها وهطلب البوليس فوراً بتهمة الشروع في إحداث عاهة مستديمة والتزوير!” ساد الذهول الغرفة. شحب وجه الطبيبة تماماً وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة، متلعثمة:
* “يا مدام.. أنتِ فاهمة غلط.. ده كلام..” بينما تحول وجه حسام إلى اللون الأحمر القاني، واشتعلت عيناه بظلــ,,ـــــم جحيمي. أدرك أن مخططه الخبيث قد انكسر على عتبة الباب، وأن مريم عرفت كل شيء. اقترب منها بتهديد واضطراب، وأمسك بمعصمها بقوة وقسوة شديدة: * “أنتِ نهيتِ كل حاجة بعضك ده.. اطلعي قدامي على العربية! مفيش ولادة هنا ولا في غيره لحد ما تعقلي!” صرخت مريم من شدة الم قبــ,,ـــــضته ومغص الولادة المتزايد: * “سيب إيدي يا مجرم! يا ناس.. الحقوني!”
دخل إداري المستشفى وبعض أفراد الأمن على أثر الصراخ، وساد الهرج والحديث الحاد. استغلت مريم حالة الارتباك، وسحبت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الطاولة بخفة، واتصلت برقم شقيقها الأكبر “محمود”، الرجل الصارم الذي كان دائماً مصدـ,,ـــر أمانها. بصوت يختنق بالبكاء والألم صرخت في الهاتف: * “الحقني يا محمود! حسام جايبني مستشفى (….) ومتفق مع الدكتورة يقطعوا عقبي ويخدروني من غير أذني! تعالالي بسرعة أنا في خطر!”
سمع حسام المكالمة، فحاول سحب الهاتف منها، لكن الأمن تدرب للتدخل لمنع أي اعتــ,,ـــــدا جسدي داخل أروقة المستشفى، خصوصاً بعد أن بدأت الممرضات والأطباء الآخرون يتجمعون متسائلين عما يحدث. الطبيبة المتواطئة انسحبت بجبن إلى مكتبها وأغلقت الباب على نفسها، خائفة من فضيحة قد تنهي مسيرتها المهنية. قال حسام وهو يحاول السيطرة على أعصابه أمام الناس والجمهور المتجمع: * “يا جماعة دي مراتي وفي حالة هستيريا من ألم الولادة وبتتخيل حاجات مش حقيقية!” ردت مريم وهي تتكئ على أحد رجال الأمن، والدموع تحــ,,ـــــرق وجهها، لكن نبرتها كانت واضحة كالسيف:
* “أنا بكامل عقلي! والست الدكتورة اللي جوه واخدة عربون عشان تزور تقرير طبي وتقول إن كان فيه خطر على حياتي! لو راجل صح خليهم يتصلوا بمدير المستشفى يفتشوا مكتبها دلوقتي!” ارتبك حسام، وشعر أن الفخ الذي نصبه لمريم قد أطبق على رقبته هو. كان يعلم أن شقيقها محمود رجل لا يرحم، وأنه في طريقه إليه الآن رفقة رجال العائلة. أدرك حسام أن البقاء في هذا المكان يعني مواجهة مفتوحة لن يستطيع التملص منها، خصوصاً مع وجود تسجيلات كاميرات المراقبة في الممرات التي قد تدينه وهو يقف أمام مكتب الطبيبة في العتمة.
نظر إلى مريم بنظرة تتطاير منها شرارات الانتقام والوعيد، وقال بصوت خافت لا يصله أحد غيرها: * “فاكرة إنك كده كسبتِ؟ وحياة ابني اللي في بطنك ده، للخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه.. والطفل ده مش هتشوفيه ولا هتربيه إذا كان بكتفي بيه بالسيف!” استدار حسام بغلّ، وغادر المستشفى بسرعة قبل وصول عائلتها، تاركاً خلفه دوياً من الشكوك والفضائح. بعد أقل من عشرين دقيقة، اقتحم محمود شقيق مريم المستشفى كالإعصار، ومعه اثنان من أقاربهم. وجدوا مريم مستلقية على الكرسي متحرك في الاستقبال، تعاني من آلام مخاض متقدمة ووجهها شاحب كالمــ,,ـــــوت.
احتضنها محمود بلهفة وهو يرتجف خوفاً عليها: * “مريم! إيه اللي حصل؟ فين حسام الندل ده؟”
بكت مريم في أحضان أخيها وهي تمسك بيده بكل ما تبقى لها من قوة: * “خدني من هنا يا محمود.. خدني أي مستشفى حكومي أو مكان أمين.. حسام كان عايز يدمر حياتي ويحرمكم مني ومن عيالي لل أبد!” لم يضيع محمود ثانية واحدة. نقلوا مريم فوراً بسيارة إسعاف خاصة إلى مستشفى تعليمي كبير تحت إشراف أطباء موثوقين من معارف العائلة. هناك، أدخلت مريم فوراً إلى غرفة العمليات لإجراء جراحة قيصرية عاجلة، بعد أن وصلت حالة المخاض إلى مرحلة حتيمة.
خارج غرفة العمليات، كان محمود يجوب الممر يميناً ويساراً كالعاصفة، يديه تتشتتان غضباً، محاولاً الاتصال بحسام الذي أغلق هاتفه تماماً وتوارى عن الأنظار. كانت هناك أسئلة حارقة تدور في ذهن الجميع: لماذا يفعل حسام ذلك؟ ما السر الرهيب الذي يدفعه للتضحية بزوجه وطفله القادم بهذه الطريقة الإجرامية؟ بعد ساعة ونصف من الانتظار القاتل، خرج الطبيب الجراح وهو يبتسم ابتسامة متعبة ومهدئة: * “مبروك يا جماعة.. مريم قامت بالسلامة، وجابت ولد زي الفل.. صحته ممتازة ووزنه طبيعي.”
تنفس محمود الصعداء، وتساقطت دموع الإغاثة من عينيه. دخل ليرى أخته في غرفة الإفاقة. كانت مريم تتفتح عينيها ببطء، وتنظر حولها بضبابية، حتى وقعت عينها على الطفل الصغير الملتف بدثار أبيض بجانبها. ابتسمت ابتسامة باهتة مليئة بالألم، وحملت طفلها الرضيع، وضعت وجهها الصغير على صدـ,,ـــرها، وشعرت لأول مرة منذ أيام بأمان دافئ. لكن هذا الأمان لم يدُم سوى دقائق معدودة. فجأة، دخل أحد رجال الشرطة برفقة طبيب المستشفى المقيم، وتقدم نحو سر,,ـــــير مريم بعد أن استأذن محمود.
نظر الضابط إلى مريم بأسف وقال: * “حمد الله على السلامة يا مدام مريم.. للأسف الشديد إحنا جايين بناءً على بلاغ رسمي أتقدم من ساعة واحدة في القسم.” فزع محمود ووقف حائلاً بين الضابط وسر,,ـــــير أخته: * “بلاغ إيه يا فندم؟ أختي لسه طالعة من عمليات ولادة قيصرية!” أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ ما فيها بصوت هادئ ولكن ثقيل كالجبل:
* “الأستاذ حسام تقدم ببلاغ يتهم فيه الزوجة مريم بإسقاط وتدليس أنساب، وادعى فيه إن الطفل ده مش ابنه، وإن عنده تقارير طبية مثبتة من سنتين بإن يعاني من عقم دائم ويستحيل عليه الإنجاب، ويثبت بالتقارير إنها كانت بتخدعه طوال فترة الحمل!” سقطت الكلمات كالقنبلة داخل الغرفة. شهقت مريم وانقبــ,,ـــــض قلبها وهي تنظر إلى طفلها الرضيع، ثم إلى شقيقها الذي وقف مصدوماً لا يستوعب ما يسمعه.
تكشفت الحقيقة المرعبة أخيراً: لم يكن حسام يريد مجرد ربط أنابيب، بل كان يخطط لقطع الطريق على وجود أي أطفال آخرين حتى يسهل عليه طردها ووصمها بفي أبشع تهمة، والتخلص منها دون أن تدفع العائلة بباطله! لقد كان يعدّ لهذا الكابوس منذ أشهر طويلة، والربط كان الخطوة الأخيرة ليضمن عدم إنجابها مجدداً حتى لا ترفع قضية إثبات نسب مستقبلاً، وليجبرها على السكوت تحت تهديد الشرف! نظر محمود إلى مريم بعينين تتساءلان في ذهول، بينما صرخت مريم بدموع حارقة وهستيرية وهي تحتضن طفلها الصغير بقوة:
* “والله كذاب! ده ابنه وحقه! ده مجرم وبيتبلى عليا عشان يهرب من الفعلة اللي كان هيعملها فيا!” اقترب الضابط وقال بصرامة: * “التحقيقات هي اللي هتثبت كل حاجة يا مدام.. ومطلوب منك ومن الطفل النزول لمعمل الطب الشرعي لإجراء تحليل الـ DNA بناءً على قرار النيابة.” هنا، أدركت مريم أن حربها مع حسام لم تكن مجرد خلاف على وسيلة منع حمل، بل كانت بداية لمعركة شرــ,,ـــــسة تمس شرفها، أمومتها، ومستقبل طفلها الرضيع الذي لم يهنأ بساعة واحدة في هذا العالم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”