منوعات

بنت اسمها جميله

بنت اسمها جميله

كان فيه بنت اسمها جميلة، وجميلة دي كانت بتحب القراية جدا، بتحب الورق وريحة الكتب، بتحب تقعد في البلكونة بالساعات ومعاها كوباية قهوة وكتاب، وتسرح في عالم تاني، بس كان عندها بلوة سودا في حياتها اسمها ماجد. ماجد ده كاتب روايات مشهور على فيسبوك، صفحته عليها نص مليون متابع، وكل رواية بينزلها بتجيب الاف اللايكات والكومنتات، والبنات كلها بتمــ,,ـــــوت فيه وبتقول عليه كاتب المشاعر وكاتب الليل الحزين، الا جميلة.

جميلة كانت شايفاه كاتب فاضي وبيضحك على عقول البنات بكلمتين حلوين محفوظين، وكل فصل ينزله كانت تدخل اول واحدة تكتب كومنت طويل عريض تنتقده فيه، تقوله الحوار ده مبتذل، والبطلة دي ساذجة وضعيفة، وانت بتكرر نفسك ونفس القفلة كل مرة، والبطل لازم يبقى راجل بجد مش شوية كلام.

وماجد كان في الاول بيطنش، يقول لنفسه معلش دي واحدة فاضية، بس بعد كده بقت تستفزه بجد، بقت كل يوم تستناه ينزل الفصل الساعة تسعة بالليل وتدخل ترزعه كومنت يخليه يقوم من على الكرسي ويشرب قهوة من الغيظ، لحد ما في يوم كتب بوست طويل قال فيه اللي مش عاجبه كتابتي يوريني نفسه ويكتب احسن مني لو يعرف. جميلة طبعا ما سكتتش، دخلت كتبتله في الكومنتات قدّام عشرين الف واحد انا مش محتاجة اوريك نفسي، انا اقدر اكتب احسن منك وانت اللي واخد شهرة على الفاضي عشان البنات بتحب النكد.

الناس في الكومنتات ولعت، كله بيقول الله ده تحدي كبير، وماجد من غيظه راح كاتبلها تعالى انبوكس لو قد كلامك ومتهربيش. جميلة اترددت ثانية بس عنادها خلاها تدخل تكلمه، اول كلام بينهم كان خناق بجد، انت مغرور وشايف نفسك، وانتي ناقدة فاضية مبتفهميش حاجة وبتدوري على الشهرة على قفايا، بس بعد الخناق ده قالها خلاص، نتــ,,ـــــحدى بعض، كل واحد يكتب قصة قصيرة في اسبوع، واللي متابعينا يحكموا مين احسن، واللي يخسر يعتذر للتاني قدام الناس كلها.
وافقت فورا، وقفلت الشات وهي حاسة انها دخلت حرب كبيرة ومش هينفع ترجع.

جميلة حكت لصاحبتها الانتيم رباب، رباب دي كانت عكسها تماما، رومانسية وبتحب روايات ماجد جدا وبتعيط كل ما تقرا فصل حزين، قعدت تقولها يا بنتي انتي مجنونة ده ماجد ده قمر وكتاباته قمرين وكل البنات هتمــ,,ـــــوت وتكلمه، قالت لها قمرين ايه ده كاتب بير سلم وبيبيع الوهم، انا هوريه ان الكتابة مش كلمتين حلوين وخلاص. ورباب قالت لها طب هتكتبي عن ايه، جميلة قالت مش عارفة، انا عمري ما كتبت رواية، انا بس بعرف انتقد واقول ده وحش، بس عمري ما جربت اكتب الحلو.

اما ماجد فحكى لصاحبه بدر، بدر ده صاحبه من ايام الجامعة ومصمم جرافيك وبيصممله اغلفة رواياته وبيقعد معاه على القهوة كل يوم، بدر قعد يضحك وقاله انت هتتحدى بنت من الكومنتات يا ماجد، انت فاضي والله، قاله لا دي بنت مستفزة ولازم اربيها واعرفها مقامها، بدر قاله يا عم دي شكلها هتربيك انت وهتخليك تحب الكتابة من اول وجديد.

التحدي بدأ، جميلة كل يوم بعد شغلها في مكتبة صغيرة كانت بتشتغل فيها بتاعت عمها صادق، عمها صادق ده راجل طيب وبيحبها زي بنته وبيقولها يا جميلة انتي اللي منورة المكتبة، كانت تقعد على اللاب توب بتاعها القديم وتحاول تكتب، تكتب سطرين وتمسحهم، تكتب فكرة وتلاقيها شبه رواياته، كانت هتتجنن وتشد في شعرها. ماجد نفسه كان واقع في نفس المشكلة، هو متعود يكتب بطريقة معينة والجمهور حافظها، البطل الحزين والبنت اللي بتستناه، بس المرادي كان عايز يكتب حاجة مختلفة عشان يثبت انه جامد ومش بيكرر نفسه، فكان بيقطع الورق كتير ويشرب سجاير كتير ويقوم يتمشى في الاوضة.

بعد تلات ايام جميلة زهقت بجد، راحت فاتحة الشات بتاع ماجد وكتبتله على فكرة انت بتعمل بلوك للأفكار عندي، انا من ساعة ما اتحديتك وانا مش عارفة اكتب كلمة واحدة، قالها وانتي كمان والله، انا مش عارف اكتب من ساعة ما اتحديتك وحاسس اني نسيت الكتابة، قعدوا يضحكوا لاول مرة من غير خناق وصوتهم طلع في الشات كأنهم اصحاب من زمان وبيهزروا.

ومن هنا الكلام خد سكة تانية خالص، بقوا كل يوم يتكلموا بالساعات، في الاول عن الكتابة وعن الشخصيات، وبعدين عن حياتهم، جميلة عرفت ان اسمه الحقيقي ماجد صادق، وانه خريج تجارة بس بيحب الكتابة من وهو صغير وكان بيكتب جوابات لامه وهي مسافرة، وانه وحيد وبيقعد يكتب طول الليل عشان ميحسش بالوحدة وبيخاف من السكوت.

وهو عرف ان جميلة بتشتغل في مكتبة عمها صادق بعد ما ابوها مات، وانها بتحب القهوة بزيادة وبتعملها بطريقة معينة بريحة حبهان، وان عندها قطة اسمها هدير، اه والله سمت القطة هدير، وبتحب تسمي كل حاجة حواليها، حتى الزرعة اللي في البلكونة مسمياها هدير برضه، ولما سألها ليه هدير قالتله عشان بحب الاسم ده بيحسسني ان فيه حد بيونسني وان فيه صوت حلو في البيت. بقوا يستنوا كلام بعض، جميلة تصحى الصبح تلاقي مسج منه صباح الخير يا ناقدتي اللدودة اللي مبتنامش، وهي ترد صباح الخير يا كاتب الغبرة اللي فاكر نفسه نجيب محفوظ.

ماجد بقى يبعت لها فويس نوت وهو بيقرا مقطع كتبه وياخد رايها، وهي بقت تسمع صوته وتحس ان صوته دافي وحنين ومليان حنية عكس ما كانت فاكرة انه مغرور وصوته خشن، وبقت تعيد الفويس اكتر من مرة قبل ما تنام وتحفظه.

وجميلة بقت تبعتله اللي بتكتبه، وهو يقولها لا الجملة دي حلوة اوي، لا خلي البطلة قوية شوية زيك، لا خليها عنيدة زيك، وهي كانت بتتكسف وتفرح في نفس الوقت وتحس ان حد اخيرا بيشجعها وبيشوفها.
التحدي اللي كان اسبوع بقى اسبوعين وهما ولا كتبوا حاجة عدلة، بس كتبوا لبعض مئات الرسايل، كل رسالة فيها حتة من قلبهم، كل رسالة فيها ضحكة وخناقة صغيرة وصلح، لحد ما بقوا لو يوم عدّى من غير ما يتكلموا يحسوا ان فيه حاجة ناقصة وان اليوم مالوش طعم.

رباب لاحظت ان جميلة اتغيرت، بقت سرحانة طول الوقت وماسكة الموبايل وتضحك لوحدها وتعمل القهوة وتسرح وتكلم القطة هدير كأنها بتحكيلها، قالت لها انتي وقعتي يا جميلة، انتي حبيتيه يا هبلة، جميلة اتخضت وقالت لا طبعا ده عدوي ولسه هكسبه في التحدي، رباب قالت لها العدو اللي بتحبي صوته وتستني رسايله وتسهري عشانه ده يبقى حبيب مش عدو.

نفس الكلام قاله بدر لماجد، قاله انت بتحب البنت دي يا ماجد، انت من ساعة ما عرفتها وانت بطلت تنزل بوستات حزينة وكئيبة، وبقيت تضحك وتكتب حاجات فيها امل ونور، ماجد سكت لانه عرف انه فعلا حبها، حب روحها وعنادها وطريقتها وضحكتها اللي بيسمعها في الفويس، من غير ما يشوف شكلها، لانهم كانوا متفقين من الاول محدش يبعت صورته للتاني لحد ما التحدي يخلص عشان الحكم يبقى نزيه ومفيش مجاملة. ماجد قرر يسمي الرواية اللي بيكتبها دلوقتي حبيبتي من ورق، لانها فعلا حبيبته اللي عرفها من ورق الشات ومن ورق الكتب، حبيبته اللي اتكونت من حروف وكلام.

جميلة كمان كانت بتكتب رواية وسمتها نفس الاسم من غير ما تقول، لانها حست انه خلى حياتها الورقية اللي بتحبها ليها معنى، وخلى الورق اللي بتحبه يتكلم وينطق باسمها. وفي يوم ماجد قالها انا عندي حفلة توقيع لروايتي الجديدة بعد يومين في دار نشر كبيرة في وسط البلد، وعايزك تيجي ضروري، عايز اشوفك لاول مرة هناك، وعايز اعرف شكل البنت اللي خطفت قلبي وخلتني احب الكتابة تاني، جميلة اتوترت جدا، قالتله وانا كمان عايزة اشوفك، بس انا خايفة اوي، قالها متخافيش، انا هعرفك لوحدي، انتي اللي هتبقي مختلفة عن كل الناس، وقلبك هينور وشك وهعرفك من اول نظرة.

جميلة راحت مع رباب تشتري فستان جديد، وكانت ايديها بتترعش من التوتر وهي بتقيس الفساتين، وطول الليل مش عارفة تنام، عمالة تفكر يا ترى شكله ايه، طيب لو شافني هيحبني ولا هيتصدم، طيب لو طلع بيهزر وبيتسلى، رباب كانت بتهديها وتقولها يا بنتي ده بيحبك بجد انا حاسة. ماجد كان نفس الحال، راح حلق ولبس احلى قميص عنده، وفضل يسأل بدر اعمل ايه لو طلعت احلى من ما اتخيلت، بدر قاله هتتصدم لانك واقعة يا حبيبي وبتحب بجد لاول مرة من سنين.

يوم الحفلة، القاعة كانت زحمة جدا، بنات كتير جاية تتصور مع ماجد، وهو قاعد على المنصة وبيوقع وبيضحك بس عينه بتدور في كل حتة مستنيها، هو ميعرفش شكلها بس كان حاسس انه هيعرفها من قلبها ومن نظرتها ومن كسوفها. جميلة دخلت القاعة وهي ماسكة ايد رباب، وكانت لابسة فستان بسيط ابيض وشعرها سايب وريحتها قهوة وفانيليا، وعمالة تدور بعينها عليه، اول ما شافته من بعيد قلبها دق جامد كأنها تعرفه من سنين، هو كان شكله احلى من صوته حتى، شاب طويل وعينه بتضحك وشكله طيب وابن حلال.

قربت شوية بخطوات مترددة، وماجد لمحها من بعيد، حس انه شافها قبل كده، حس ان عينيها دي عارفها، بس مش قادر يفتكر فين، قلبه دق بسرعة. وفجأة المذيع اللي ماسك الحفلة نادى على اسمها، قال ومعانا دلوقتي الكاتبة الشابة جميلة اللي اشتهرت بنقدها اللاذع لماجد، وهتناقشه النهاردة قدام الجمهور في مفاجأة جميلة. ماجد اتجمد في مكانه، جميلة، اسم جميلة ده هو نفس اسم البنت اللي بيكرهها في الكومنتات، البنت اللي كانت بتنتقده كل يوم وبتقوله انت فاشل وبتكتب اي كلام.

جميلة هي كمان اتصدمت، لانها لما سمعت اسمه كامل من المذيع عرفت ان ماجد هو نفسه ماجد صادق، نفس الاسم اللي كانت بتشتمه ليل نهار في الكومنتات وتقول عليه مغرور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى