منوعات

جوزي قالي عاوز اخلف

جوزي قالي عاوز اخلف

لكن أنا؟ وسكت لحظة. أنا بقيت شخص تاني. لأول مرة فهم. وفهم إن وجود أولاد بينا لا يعني إن الزمن هيرجع. في الأسبوع اللي بعده، بدأ يزور الأطفال. في البداية كانوا متحفظين. خصوصًا آدم. كان دايمًا يسأل هو ليه ماكنش موجود قبل كده؟ وساعتها كريم ماكانش يلاقي إجابة. أما ياسين فكان الأسهل. بعد أول مباراة كورة لعبها معاه، اعتبره صاحبه. ولارا؟ لارا خ.طفت قلبه من أول يوم. كانت تناديه عمو كريم. وفي كل مرة كان يسمعها، يبتسم وفي عينيه وجع صغير.

لأنه عارف إن كلمة بابا مش بتتفرض. دي بتتبني. وشهور عدت… وكريم التزم فعلًا. صار يزورهم باستمرار، ويساعد في مصاريفهم، ويحاول يعوض اللي فاته. لكن في يوم من الأيام… رجعت من الشغل لقيت الأطفال بيضحكوا في الصالة. ومعاهم راجل غريب. أنيق، هادي، وبيساعد ياسين يحل واجب الرياضيات. أول ما شافني وقف باحترام. وقال مساء الخير. ابتسمت وقلت مساء النور. ومن المطبخ خرجت جارتي وهي تضحك. وقالت ده دكتور عمر… الأستاذ الجديد في الجامعة. ومن يومها…

بدأ فصل جديد في حياة ليلى. فصل ماكانش فيه انتقام. ولا دموع. ولا إثبات لأي حد. كان فيه حاجة واحدة بس… فرصة أخيرة للسعادة. أما كريم؟ فكان بيتفرج من بعيد، وعارف إن بعض الخسائر ما بتتعوضش مهما حاول الإنسان. يتبع… مرّت شهور، ودكتور عمر بقى جزء طبيعي من يومنا. في الأول كان مجرد جار لطيف يساعد الأطفال في المذاكرة أحيانًا، لكن مع الوقت بقينا نتكلم أكتر. الغريب إنه عمره ما سألني عن طلاقي في البداية، ولا حاول يعرف تفاصيل الماضي.

كان مهتم يعرف أنا مين دلوقتي، مش كنت مين زمان. وده كان فرق كبير. في يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا على البحر. ياسين بيجري ورا الكورة، ولارا بتبني قصر رمل، وآدم قاعد جنب عمر بيتكلم معاه عن الفضاء والكواكب. بصيت عليهم من بعيد، وحسيت براحة افتقدتها سنين. وفجأة سمعت صوت ورايا. التفت. لقيت كريم. كان جاي يسلّم على الأولاد في معاده المعتاد. وقف لحظة وهو شايف المشهد كله. ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال واضح إنهم مبسوطين.

هززت رأسي. الحمد لله. سكت شوية قبل ما يقول وعمر… شكله إنسان محترم. بصيت له باستغراب. أول مرة أحس إن كلامه خالي من الغيرة أو التحدي. قال وهو يتابع الأطفال بعينيه زمان كنت فاكر إن الرجولة إن الواحد يفرض نفسه على الناس. ثم ضحك بمرارة. طلع الرجولة إنك تحافظ على اللي بيحبوك. ما رديتش. لأن بعض الكلمات لما تيجي متأخرة، ما يبقاش لها رد. بعدها بأشهر قليلة، عمر طلب يقابل الأطفال لوحدهم. كان عايز يعرف رأيهم قبل أي خطوة.

ولما رجعوا البيت، سألتهم إيه الأخبار؟ ياسين قال فورًا أنا موافق! لارا رفعت إيدها الصغيرة وأنا كمان. أما آدم فسكت شوية. ثم قال لو هو هيخليكي تضحكي أكتر… يبقى أنا موافق. في الليلة دي بكيت. مش حزن. لكن لأن الحياة أخيرًا بدأت تديني أكتر مما أخذت مني. وبعد سنة كاملة… كان فيه فرح صغير جدًا على البحر. من غير ضجة. من غير استعراض. ومن غير دعوات هدفها كسر حد. الأطفال كانوا حوالينا طول الوقت. وياسين أصر إنه يكون مسؤول عن الخواتم.

وطبعًا وقع واحد منها في الرمل وقعدنا ندور عليه نص ساعة وسط الضحك. أما لارا فكانت ماشية بفستان أبيض صغير وهي مقتنعة إنها العروسة الحقيقية. وآدم؟ كان واقف جنبي طول الوقت. حارسًا لقلب أمه. وفي آخر الحفل، لقيت كريم واقف بعيد. جاء يبارك بهدوء. صافح عمر وقال خلي بالك منهم. فرد عمر كأنهم أولادي. هز كريم رأسه، ثم نظر للأطفال. وقال بابتسامة فيها رضا وحزن معًا وأنتوا… خلو بالكم من مامتكم. ركض الثلاثة نحوّي في نفس اللحظة.

وضمّوني بقوة. ساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا أحيانًا الحياة لا تعيد لنا ما خسرناه. لكنها تمنحنا شيئًا أجمل مما تخيلنا. النهاية. بعد الفرح بسنتين، كانت الحياة مستقرة بشكل جميل. عمر بقى أب حقيقي للأطفال، مش بالكلام، لكن بالمواقف. كان أول واحد يصحى لو واحد منهم تعب بالليل، وأول واحد يحضر حفلات المدرسة، وأول واحد يفرح بدرجاتهم. وفي يوم، رجعت من الشغل لقيت البيت هادي بشكل غريب. ناديت آدم؟ ياسين؟ لارا؟ محدش رد. وفجأة سمعت صوت زغاريد جاي من البلكونة.

طلعت بسرعة. لقيت عمر والأطفال واقفين، وماسكين لافتة كبيرة مكتوب عليها مبروك يا ماما. استغربت. مبروك على إيه؟ ضحك عمر ومد إيده بظرف صغير. فتحته. ولقيت عقد شقة. شقة جديدة. أوسع وأجمل من الشقة اللي عشنا فيها كل السنين اللي فاتت. بصيت له بصدمة. قال عارف إنك تعبتي كتير عشان توصلي للي وصلتي له. وأشار للأطفال. وإحنا كلنا حبينا نقولك شكرًا. في اللحظة دي، لارا ح.ضنت رجلي وهي بتقول أصل إنتِ أحسن ماما في الدنيا.

أما ياسين فقال بفخر وأقوى واحدة كمان. وآدم، اللي كان دائمًا أقلهم كلامًا، قال جملة خلت عيني تدمع إنتِ علمتينا إن الإنسان مش بيتحدد باللي خسره… بيتحدد باللي قدر يبنيه بعد الخسارة. سكت البيت كله. حتى عمر بص له بدهشة. ثم ضحك وقال واضح إن الفيلسوف الصغير كبر. مرّت الأيام، وكبر الأطفال. وبقى لكل واحد منهم حلمه وطريقه. لكن الشيء الوحيد اللي ما اتغيرش أبدًا… إنهم كانوا كل ليلة تقريبًا يجتمعوا على السفرة نفسها، ويحكوا عن يومهم، ويضحكوا على نفس النكات القديمة.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى تنظر إليهم، تذكرت اللحظة التي وقفت فيها أمام قاعة زفاف كريم منذ سنوات. يومها ظنت أن القدر ينتقم لها. لكنها أدركت الآن أن القدر لم يكن ينتقم. كان فقط يقودها إلى حياة أخرى لم تكن تتخيل وجودها. حياة مليئة بالحب الحقيقي، والاحترام، والعائلة التي اختارت أن تبقى معًا كل يوم. وهكذا انتهت الحكاية… ليس بانتصار شخص على شخص. بل بانتصار قلب رفض أن يستسلم عندما ظن الجميع أنه انكسر.

تمت النهاية السعيدة. لو هنكمل الحكاية، فممكن يبقى ده فصل جديد بعد النهاية بعد مرور عشرين سنة… وقفت ليلى قدام المراية تعدل طرحتها وهي تبتسم. من برة الأوضة كان فيه دوشة وضحك وزغاريد. لارا كانت عروسة النهارده. البنت الصغيرة اللي كانت بتستخبى ورا رجل أمها بقت شابة جميلة الكل بيشهد بأخلاقها. مسحت ليلى دمعة صغيرة من عينها. وفجأة دخل آدم. بقى دكتور قلب معروف، لكن أول ما دخل الأوضة رجع طفلها الصغير للحظة. قال مبتسمًا

ماما… هتعيطي وتبوظي المكياج.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى